كمال الدين دميري

153

حياة الحيوان الكبرى

وعجل هذه الأمة الدينار والدرهم « . قال حجة الإسلام الغزالي : وكان أصل عجل قوم موسى ، من حلية الذهب والفضة . وقال الجوهري : قال بعضهم في قوله تعالى : * ( عِجْلًا جَسَداً ) * * « 1 » أي من ذهب أحمر انتهى . والسبب في عبادة بني إسرائيل العجل ، أن موسى عليه الصلاة والسلام وقت اللَّه تعالى له ثلاثين ليلة ، ثم أتمها بعشر ، فلما عبر بهم البحر في يوم عاشوراء ، بعد مهلك فرعون ، وقومه ، مروا على قوم لهم أوثان يعبدونها من دون اللَّه تعالى . على تماثيل البقر ، قال ابن جريج : وكان ذلك أول شأن العجل ، فقال بنو إسرائيل لما رأوا ذلك : يا موسى اجعل لنا إلها أي تمثالا نعبده كما لهم آلهة . ولم يكن ذلك شكا من بني إسرائيل في وحدانية اللَّه تعالى . وإنما معناه اجعل لنا شيئا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى اللَّه ، وظنوا أن ذلك لا يضر الديانة ، وكان ذلك لشدة جهلهم . كما قال تعالى : * ( إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) * « 2 » وكان موسى عليه الصلاة والسلام وعد بني إسرائيل ، وهم بمصر أن اللَّه إذا أهلك عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون . فلما فعل اللَّه ذلك لهم ، سأل موسى ربه الكتاب ، فأمره بصوم ثلاثين يوما ، فلما تمت الثلاثون أنكر خلوف فمه ، فاستاك بعود خروب ، وقيل : أكل من لحاء شجرة ، فقالت له الملائكة : كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك ، فأتمها بعشر ، فلما مضت ثلاثون ، كانت فتنتهم في العشر التي زادها . وكان السامري من قوم يعبدون البقر ، وكان قد أظهر الإسلام ، وفي قلبه من حب عبادة البقر شيء ، فابتلى اللَّه به بني إسرائيل ، فقال لهم السامري ، واسمه موسى بن ظفر : ائتوني بحلي بني إسرائيل ، فجمعوا له ، فاتخذ لهم منه عجلا جسدا ، له خوار ، وألقي في فمه قبضة من تراب أثر فرس جبريل ، فتحول عجلا جسدا لحما ودما له خوار وهو صوت البقر . كذا قاله ابن عباس والحسن وقتادة ، وأكثر أهل التفسير ، وهو الأصح كما في البغوي وغيره . وقيل : كان جسدا مجسدا من ذهب لا روح فيه ، وكان يسمع منه صوت . وقيل : إنه ما خار إلا مرة واحدة ، فعكف عليه القوم للعبادة ، من دون اللَّه تعالى ، يرقصون حوله ويتواجدون . وقيل إنه كان يخور كثيرا ، كلما خار سجدوا له ، وإذا سكت رفعوا رؤوسهم ، وقال وهب : كان يسمع منه الخوار ولا يتحرك . وقال السدي : كان يخور ويمشي ، والجسد بدن الإنسان ، ولا يقال لغيره من الأجسام المغتذية جسد وقد يقال للجن أجساد ، فكان عجل بني إسرائيل جسدا يصيح ، كما تقدم . ولا يأكل ولا يشرب ، قال اللَّه تعالى : * ( وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) * « 3 » أي حب العجل . وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام : * ( فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ) * « 4 » قال قتادة : كان عامة مال إبراهيم عليه السلام البقر . واختار سمينا زيادة في إكرامهم . وقال القرطبي : العجل في بعض اللغات الشاة ، ذكره القشيري . وكان عليه الصلاة والسلام مضيافا ، وحسبك أنه وقف للضيافة أوقافا تمضيها الأمم على اختلاف أديانها وأجناسها . قال عون بن شداد : مسح جبريل عليه السلام العجل بجناحه ، فقام مسرعا حتى لحق بأمه .

--> « 1 » سورة الأعراف : آية 148 . « 2 » سورة الأعراف : آية 138 . « 3 » سورة البقرة : آية 93 . « 4 » سورة الذاريات : آية 26 .